بقلم لطيفة مؤمن محمود
في الكويت، كانت الشقة في الطابق السابع أشبه بقفص مغلق بإحكام، والجدران التي يفترض أن تحمي من البرد والحرّ، تحولت إلى جدران تسجن الروح وتخنق الحلم. الشابة الإثيوبية لاليبا أليمو جاءت إلى الكويت وهي تحمل في حقيبتها ملابس بسيطة وصورة قديمة لأسرتها، وحلم أن توفر لهم ما يسد الجوع ويصلح سقف البيت المائل في قريتها البعيدة.
لكنها وجدت نفسها في بيت امرأة قاسية، حادة الصوت والملامح، لا تعرف كلمة “شكراً”، ولا ترى فيها سوى خادمة بلا ملامح. كان صباحها يبدأ قبل طلوع الشمس، وهي تمسح الأرضية بيدين متشققتين من كثرة الغسيل، وتنتهي ليلتها بعد منتصف الليل وهي تحني ظهرها فوق الأواني المتسخة. إن عطشت، لم تكن تجرؤ على طلب الماء إلا وهي تراقب وجه سيدتها خوفاً من أن تكون في مزاج سيئ. وإن أخطأت في ترتيب طبق أو نسيت قطعة غسيل، انهالت عليها الشتائم الجارحة التي تخترق قلبها أكثر من أية صفعة، وأحياناً دفعات قوية تترك على جسدها النحيل كدمات ألوانها تتغير مع الأيام. كانت تُجبر على أكل بقايا الطعام البارد بعد أن ينتهي أهل البيت، وتنام على بطانية رقيقة على الأرض في زاوية المطبخ حيث تتسلل رائحة الزيت المحترق إلى أنفها طوال الليل. حتى هاتفها البسيط، الذي كانت تحلم أن تسمع من خلاله صوت أمها، صودر منها “حتى لا تضيّع وقتها”.
كل يوم يمر كان ينتزع قطعة من إنسانيتها، حتى أصبحت تنظر إلى المرآة فلا ترى سوى ظل باهت لفتاة جاءت يوماً بحثاً عن حياة أفضل. في صباح ذلك اليوم، وبعد ليلة مليئة بالصراخ، أغلقت الكويتية الباب عليها، وهي تقول ببرود: “هنا مكانك… ما في خروج”. شعرت الفتاة أن أنفاسها تُسحب منها، أن الغرفة تقترب جدرانها حتى تكاد تطحنها. بحثت بعينيها عن مخرج، حتى وقعت على نافذة الشقة. تقدمت نحوها، قلبها يدق بعنف، يديها ترتجفان، لكنها فكرت: “الموت أسهل من هذا العذاب”. فتحت النافذة، نظرت إلى الأسفل، الهواء الحار يلسع وجهها، لكنها لم تتراجع. مدت يدها، ثم الأخرى، وبدأت تتعلق بالحافة، قدماها تبحثان عن أي ثبات، وكل عضلة في جسدها تصرخ من الألم والخوف. عندها، ظهرت الكويتية، لم تركض لتساعد، لم تصرخ طلباً للنجدة، بل رفعت هاتفها، ووجهها خالٍ من أي تعاطف. ضغطت زر التسجيل، وقالت بسخرية: “يا مجنونة تعالي”. ارتجفت الفتاة، ودموعها اختلطت بعرقها، وصوتها يتوسل: “امسكيني، أرجوك… امسكيني”، لكن اليد التي كانت تتمنى أن تُمد لإنقاذها، بقيت تمسك بالهاتف. أصابعها بدأت تفلت واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبقَ سوى طرف سبابة يحارب الجاذبية، ثم انزلقت. الهواء صار صفعات على وجهها، والدنيا كلها تدور، حتى اصطدمت بمظلة معدنية “كيربي” أسفل البناية. صوت الارتطام كان قاسياً، لكنه لم يقتلها، أبقاها تتألم وهي تتنفس بصعوبة، وجسدها كله يصرخ من الكدمات. نُقلت إلى المستشفى، وهي تبكي بلا صوت، دموع حارة تنزل على وجنتيها، تتذكر كل ليلة جاعت فيها، وكل مرة أُهينت أمام الآخرين، وكل يوم أُغلقت عليها الأبواب وهي تشعر أنها أقل من إنسانة. … أما الكويتية، فكانت واقفة تتحدث مع الشرطة بنبرة باردة، وكأن ما حدث أمامها مجرد مشهد عابر. الفيديو الذي صورته انتشر كالنار في الهشيم، وكل من شاهده شعر بأن السقوط لم يكن مجرد حادث، بل كان نتيجة سنوات من القهر والذل، حتى فضّلت الفتاة مواجهة الموت على البقاء يوماً آخر في بيت بلا رحمة. وفي البداية، أصدرت النيابة العامة الكويتية قراراً بإطلاق سراح المواطنة التي قامت بتصوير خادمتها الإثيوبية أثناء سقوطها من الدور السابع، بكفالة 300 دينار، على أساس أن التهمة كانت “تصوير وبث فيديو دون إذن” صاحب المقطع . ثلاثمائة دينار فقط، ثمن لقطات سجّلت لحظة اقتراب روح من مغادرة جسدها، وكأن إنقاذ حياة إنسان أرخص من فاتورة هاتفها الشهري. وبعد أشهر من الغضب الشعبي والضغط الحقوقي، جاء الحكم الذي لم يشفِ الجرح، لكنه كان اعترافاً متأخراً بالذنب؛ أُدينت الكويتية بالسجن لمدة سنة وثمانية أشهر، لتذوق ولو لبرهة طعم القيود التي فرضتها على غيرها